اضافه لموضوع مادبا والمراسلات المسيحيه والنزاعات العشائريه في 1891
كتب بواسطة: الغازي | بتاريخ: 2009/09/01 | المشاهدات: 1038 | التعليقات: 4 | آخر تعليق |
بعدَ توالي كهنة الرعايا الثلاثةَ الأوائِل؛ البدوي الأب بولس، وضعيف القلب الأب سارينا، والرجلُ القوي الأب بيفير، وصلَ إلى مادبا مُرسَلٌ عظيم الشأن، رجلٌ كامل الأوصاف، كانت مادبا بحاجةٍ إليه حتى تستقرَّ نهائياً. هذا المُرسل هو الأب يوسف منفريدي، رجلُ الله، الذكي، الشجاع، الفَطِن، المثَقَّف، حتى أنه كانَ عالمَ آثارٍ حقيقي. قامَ بإنجازِ عمل البناء الذي بدأه الأب بيفير، وقد جهّزَ الرعية بكنيسةٍ صغيرةٍ مُعتبَرة، وثبَّتَ راهبات الوردية، وعملَ على تربيةِ مسيحيينَ صالحين من أغلبية المؤمنين. ولكنه وقعَ مثلَ الأب بيفير تحتَ هجمات الحمايدة وبني صخر، الذين كانوا يهدّدونَ وجودَ مادبا.           سنة 1891 دارت الحرب بين قبائل الحمايدة والعدوان، جنوبي مادبا. وجدت مادبا نفسها وسط الحرب رغماً عنها.
          في شهر نيسان، كتب المُرسَلُ يتذمّر من وضع الحربِ هذا ومن عدم قدرته على استقبال ضيوفه المُزعجين، شيوخِ قبائلِ البلقاء:          " نحن الآن في فترةُ حربٍ دائمة بينَ قبيلتين، معَ ما يتبع ذلك عادة من نهب وسلب، علاوةً على الجرحى والقتلى. انَّ حِقدَ المسلمين على المسيحيين يجعلَ حياةَ مسيحيي مادبا صعبةً جداً وغيرَ آمنة. فقبل يومين، قتل شخصٍ أرثوذوكسيّ بدوياً كان قد أثاره، وأوشك ذلك على وضعَ وجودَ مادبا في خطر. في فترة غاب فيها البطريرك بيافي Piavi، توجّهَ الاب منفريدي في نيسان 1891 إلى مساعده، المونسنيور أبوديا Pascal Appodia، الذي كرّسه البطريرك أسقفاً في 8 آذار السابق، قبلَ مغادرته. تكلّمَ المُرسَلُ في رسالته عن العوائق الكبيرة التي تسبّبها أراضي الرعية، مع أن حدودها كانت واضحة منذ زمن الأب بيفير. وتطرّقَ إلى موضوع المقبرة الواقعة غربَ التلّة، حيثُ شيدَت أبنية الرعية، والى أرض الحِنو على بعدِ نصفِ كيلومتر إلى الجنوب الشرقي، وإلى أرض جِلول في الشرق، وأرض التيم في الجنوب الغربي وحنينا في الشمال.
كان أمرُ تأجيرِ تلك الأراضي إلى أهالي مادبا مصدرَ إزعاجٍ مستمرٍ للمُرسَل. طالب الأب منفريدي بحلًّ يريحه من المسؤوليات المادية ويسمح له بالتفرّغِ الكامل لأمور الرعية. ولمّا لم يكن للأب منفريدي مساعداً كما كان السيد فينانت للأب بيفير، فقد طلب تسليم الادارة إلى رجلٍ ثقة ترسله البطريركية.          وفي أثناء ذلك أجِّر، وفق اتِّفاقيةٍ رسمية، لشخصين مهمّين هما الشيخ صالح مرار والمختارُ يعقوب الشويحات، والذين انضمّ اليهم فيما بعد المقاتل الشرس ابراهيم الطوال، أرضَ التيم بـ 100 مجيدي لكلِّ سنتين، وذلك لينتهي من الضغوطات المزعجة لشيخ الحمايدة قفطان:          "في السنتين الماضيتين حصّلت بصعوبة 60 مجيدي بعد تعب ووجعِ رأس أثمن من جميع النقود. ثم أن هنالك الشيخ قفطان المزعج الذي كلّفنا السنة الماضية 100 فرانك، والذي صادر هذه السنة محراثاً. يريد هذا البدوي بخشيشا سنويا، وهو لا يزال يهدّدُ ولا يكف عن إزعاجنا. وبتوكيل أرضِ التيم إلى عشيرة العزيزات، فهم يعرفون كيف يدافعون عن حدودها من البدو، فهم يقومون بذلك أفضلَ منا، وبهذا نكون قد تجنبنا المصاريفَ والمشاكِل".          ولكن كما قالَ الاب يوسف سابقا، فهو يريد حلاً جذريا لموضوع الأراضي كي يُحرِّرَ الرعية نهائيا من الهموم الزمنية.           في نهاية ربيع عام 1892، نصب عددٌ من الصخور خيامهِم ووضعوا جِمالهم بالقربِ من الأراضي المسيحية. حدثت مناوشات قبلية ظهر بنو صخر فيها مليئين عداوة وحقدا على مسيحيي مادبا. فعاملوهم بقسوةٍ وجرحوا الكثيرين منهم. وكانوا ينتظرون موسمَ الحصادِ كي يكشروا عن انيابيهم، عالمين أنهم بعيدون عن تدخُّلِ الأتراك، لأن هؤلاء كانوا بعيدين وكانوا بحاجةٍ إلى خدماتهم لقطع الصحراء أثناء رحلة الحج السنوية من دمشقَ إلى مكة.          إلاّ أنَّ بداية حربٍ جديدة، شبيه بتلك التي حصلت في حزيران عام 1887، حدثت في مادبا نفسها. فقد تشاجر شخصٌ من بني صخر من عائلة حامد في مع أحدِ أشخاصِ اللاتين اسمه جريس غيشان، والذي قالَ عنه كاهنَ الرعية أنّ الدين، بالنسبةِ له، يأتي في الدرجةِ الرابعة بعدَ فرسه ورُمحِه وبندقيتِه. وعندما هدّد الصخريُ‎ّ جريسَ بسيفِه، قام هذا الأخيرُ بالدفاعِ عن نفسه وأطلقِ نار البندقية عليه فأسقطه قتيلاً. كان ذلك نحوَ الساعة الثانيةِ بعدَ الظهر، وهو الوقت الذي كان فيه معظمُ رجال مادبا في الحصاد قُربَ التيم، قريباً من خيام عائلة حامد، لدرجةِ أنه "لو لم يحمنا الله، لقامت مذبحة. فقبلَ وصولِ خبرِ القتلِ إلى بني صخر، كان المسيحييون قد عادوا بيوتهم.          وبعدَ مرورِ ساعةٍ أُعلنت الحربُ. كانت مادبا قد تسلّحت بانتظار الهجوم، بعدَ أن تم تأمين الأطفالِ في الدير الذي أصبح حصناً.          لكن الظاهر أنّ عائلة حامد الضعيفة لم تستطع تجميع باقي عائلات بني صخر؛ لذا يكن أمامهم إلاّ مهاجمتنا منعزلين. فكانوا يجولون في السهل، يطلقون الرصاص بدونِ نتيجة. حاولَ بنو حامد المُخيّمون في التيم إشعالَ النيرانِ في محاصيلِنا، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك. إلاّ أنه عندَ هروبِ جماعتنا أصيبَ ستةُ رجالٍ إثرَ إطلاق النار، وترك آخرون ثيابهم أثناء الهرب. وعند غروب الشمس، ذُبِحَ ولدٌ مسلمٌ ظنّ المهاجمون انه مسيحي".          بدأ حصارُ مادبا. يوم الجمعة 10 حزيران، حاولَ شيوخ القبائل الصديقة للرعية عبثاً الحصول على العطوة المُتعارفُ عليها في حالة القتل. سُمح للمسيحيين أن يعمل العُمّال المسلمون في أراضيهم وقتَ المواسم، وكانت جمال بني صخر تسرح فيها وتمرح. وقد حدثَ بالصدفة أنّ ثُلّةً من الجنود أتوا السلط ولم يكونوا يعلمون شيئا عما حدث. لكنهم لم يجسروا على مواجهة بني صخر الذين طردوا- بخلاف وعدهم- الحصّادين المسلمين من اراضي المسيحيين. وطيلة يوم سبت، حال اغلاق المدينة دون إعلام السلط بما حدث. ولحسن الحظ تدخّل الشيخ طلال الفايز، زعيم بني صخر، وهو صديق الرعيّة:          "كان هذا أخ المرحوم الشيخ صطّام العدائي، وكان الرجل الوحيد اللطيف بين جميع النصّابين الذين يحملون لقب "شيخ"؛ وقد تسلّمَ لقبَ مدير، وكان يحظي بتقدير الحاكم. وبناء على مشورته، قامَ هذا الأخير بتحريك الامور وأرسلِ، عند الظهر، القاضي معَ بعضِ الأفنديين وخمسةً وعشرينَ جندياً. وقد أسكنتُ القاضي والموظفينَ عندنا آملاً في تقريبهم منا، ولكني أدركتُ لاحقاً أنهم كانوا مليئينَ كراهيةً للإسم المسيحي".          منذُ وصولهم للتحرّي عما حدث، كان جريس الغيشان قد هرب. استجوب الضُبّاطُ الجرحى واستشاطوا غضباً ضدَّ المسيحيين، وتحدّثوا عن تدميرِ مادبا التي قتلت إثنينِ من المسلمين: ذاك الذي قتله جريس الغيشان والشاب الذي قتله بنو صخر لانهم اعتقدوا انه مسيحي! وفي أثناء الاستجواب، سُمِعَت أصوات تدعو إلى التسلُّح وأصواتَ تراشقِ رصاص. جمَّعَ الضابطُ رجالَه المتفرقين، بنفخةِ بوق، مما أدّى إلى ابتعادِ المُهاجمين.          "في الليلةِ ذاتِها (ليلة السبت على الأحد)، وعلى بُعدِ مسافةٍ قليلة من مادبا، اتفق عدّةِ شيوخٍ من القبائل المجاورة، والذين أرفق إليكم لائحة بأسمائهم، وهم قُطّاعُ طرقِ مشهورون، وحرّضوا البدو ضِدّنا. وقد عقدوا الاتفاقَ على البقاءِ مُتَّحدينَ حتى إفناءِ المسيحيين"!          يومَ الاثنين الموافق 13 حزيران، تركَ القاضي والأفنديون والجنودُ مادبا لكي يواجهوا شيخَ بني حامد الذي كان قد رفضَ المجيء. وأثناء ذلك، وأمامَ عيونِ الجنود، سرق رجالُ هذا الشيخ خروفا من قطيعٍ من مادبا، وعندما طلبَ منهم القاضي إعادته، رفضوا وذبحه الشيخُ لاطعامِ زائريه!           ولمّا كان الأب منفريدي على يقينٍ من ضُعفِ الضُبّاط، ولما رأى أيضاً أنَّ بني صخرَ أخذوا قمحَ اهالي مادبا الذي كانوا قد أودعوه في المخازن- وهذه علامةٌ مقلقة - قرّرَ ان يتصرّف. أخذَ معه إثنين من أشهر الرماة وذهبَ متنكراً في زيِّ بدوي إلى خيمةِ صديقه الشيخ طلال. فأعطاه هذا واحداً من خدَمه ليرافقه عبرَ طُرقٍ ملتوية إلى السلط، حيثُ تشاورَ هناك مع الأب لويس كاهن الرعية والأب اسكندر الذي كان هناك هو ايضاً. وبغيرِ عِلمِ القائمقام، الذي لم يكن أحد يثق به، ارسل برقية إلى البطريرك والى قنصل فرنسا في دمشق، مشيراً إلى الخطر الشديد المُحدِق بمادبا، وطالباً النجدة. وعادَ بعدَ ذلك إلى مادبا من نفس الطريق الملتوية من الشرق وبمساعدة الشيخ طلال.          في مادبا، أدهش سفر الكاهن الضُبّاط الذين أرسلوا تقريراً إلى القائمقام، والذي كان قد علم بألامر بسبب التلغرافين الذين بعثهما المُرسَل إلى القدس ودمشق. فأرسلَ فيما بعد سبعةَ جنودٍ إلى مادبا لتعزيز القوة الموجودة التي لم تعمل شيئا، خوفاُ من خَيّالة البدو الذينَ كانوا يهددونهم، والذين كانوا يحتقرونهم ويُبغضونَهم كما كانوا يحتقرون المسيحيين. وكانوا يقفون بعيدين عن المدينة مسافة طلقة رصاص.           "في لحظة من اللحظات، قامَ خيّالان، والد القتيل وابنه – مع قتلة الولد المسلم الذي قُتل لانهم ظنّوا انه مسيحي- وذهبوا إلى الحصّادين يطلبونَ منهم إن كانوا مسيحيين أم مسلمين.- "نحن كلنا مُسلمون، أجابَ أحدهم"،لم يقتنع المهاجمون، وأجبروهم على خلع ملابسهم والكشف عن طهورِهِم. كان معهم شابٌ مسيحي من السلط عمره 27 سنة، سليم شتيني، الذي عندما سمع  طلِبِ هؤلاء الغجر وإلحاحهم، شحُب لونه وسكت. وعندَ هذا الاعتراف الضِمني، صوّبَ إليه أحدُ البدو بندقيته وأسقطه ميتاً... حدثَ كلُّ ذلك أمامَ الجنودِ وأهالي مادبا، الذين حاولوا تهريبهم بإطلاق الرصاص في الهواء، لكن الجنودَ منعوهم من ذلك، وهم أنفسهم، رفضوا إطلاقَ النار قائلين : لم نتلقّ الأوامر! فصاحَ أحدُ الضُبّاط: أقسِمُ بالله أنَّ المسيحيين مُضطهَدون من قِبَلِ العرب (البدو) في الخارجِ، ومهضوموا الحقوق من قِبَلِ الأتراك في الداخلِ، ومذبوحونَ إن تركوا المدينة"!          يومَ الخميس 16 حزيران، أخبر القائمقام أنه ينوى القدوم الى مادبا. فذهبَ كلُّ ضُبَّاطِه ونصفُ جنوده لملاقاته في أم العمد. لكنه عند المساء، بدلاً من النزول في مادبا، توقف عندَ خيامِ صاحبه مناوِر في جلول، حيث كان يشعرَ بحرية أكبرَ للتعاملِ مع بني صخر. وفي هذه الأثناءِ، أمسك الجنودُ الذينَ بقوا في مادبا بأحدِ أعدائهم الرئيسيين، لكنهم ما لبثوا أن أطلقوا سبيله. يومَ السبت 18 حزيران، وصلَ القائم مقام أخيراً إلى مادبا. وبدلاً من أن يقفَ ضدَّ بني صخرَ أصحابَه، أرسلَ في الثالث والعشرين من حزيران جنودَه لأخذ الضريبةَ من الحمايدة المتمرّدين. لكنَّ هذه العملية شكّلت خطرا على مسيحيي مادبا، لانه أجبر ثلاثةً منهم على قيادة الجنود. ولمّا لم يتمكّن هؤلاء من إستلامِ شيءٍ من الحمايدة، نهبوا الماعزِ والماشية. وفي طريق عودتهم هاجمهم 15 شخصاً من الحمايدة؛ وقد قُتِلَ أربعةٌ منهم وجنديّ في تلك الواقعة.
نقلا عن موقع www.latinseminary.org
غازي الحيصه

اقرأ ايضا
التعليقات أضف تعليق
يمكن كتابة التعليقات بدون التسجيل كعضو في الموقع.
ملاحظات
  • تعرض التعليقات على المشرفين قبل النشر.
  • يمكن التسجيل في الموقع للحفاظ على نشر التعليقات بإسمك.

صورة التأكيد

(*) حقول إجبارية.
التعليقاتالتعليقات
4 تعليق
ابو_ربيحة
ابو_ربيحة
(1) 2009/09/01 12:13 م

بني حميدة عز وفخر

مشكووووووور ي الغازي








الغازي
الغازي
(2) 2009/09/01 12:14 م

هلا حيالله ابو ربيحه منور

بني حميده ذباحت الدول
1988
1988
(3) 2009/09/02 2:02 م

الموضوع كتير حلو طبعا للمهتم شكرا الك ابدعت
الغازي
الغازي
(4) 2009/09/30 12:02 م

اشكر مرورك واهتمامك الجميل
عودة الى الموضوع