قلبي على ولــــدي
كتب بواسطة: حامل_المسك | بتاريخ: 2011/07/05 | المشاهدات: 772 | التعليقات: 7 | آخر تعليق |
قد يكون أجمل ما تشاهده صباحا أن تقرأ وجوه العالمين المارين بك، وتتوقع الصفحات المطوية من حياتهم، فتجد طفلا قد أثقلت حقيبة المدرسة كاهله فأخذ كتفه الأيمن يأن تحت وطأة الكتب وثقل العلم ... فانتزعت يده اليسرى الحقيبة وألبستها للكتف الأيسر فمضى يتهادى يمنة ويسرى فقلت في نفسي " هذه مقررات الحكومة فكيف بقراراتها ؟"... وفتاة تفتر شفتاها عن ابتسامة صفراء وهي تطالع هاتفها... وثالث يطالع أخبار الصباح المعهودة؛زيارة مسؤول، وقتل ابرياء، وغلاء اسعار... هي نفس الأخبار اليومية التي ملتها الأسماع وعافتها الأنفس.

لفت انتباهي رجل على أعتاب العقد الخامس من عمره، يرتدي قميصا أقرب للأبيض ولكنه ليس كذلك ، وبنطالا بنيا داكنا يظهر عليه أثر الكي منذ ثلاثة أيام، وحذاء ملمعا، ونظارة يحاول عابثا أن يضع سبابته في وسطها ليرجعها لمكانها، أما وجهه فقد رُكـّبت عليه تجاعيد قبل أوانها ... رفعت بصري إليه وهو واضع رجله الأولى على عتبة الباص السفلى ممسكاً بكلتا يديه طرفي الباب وكأنه على تجربة سابقة بأن أقدامه عاجزة وحدها عن حمل جسمه المتهالك فوقها، ثم أردف الأخرى بجانبها... نظر في وجوه الجالسين وكأنه يبحث عن وجه.. يستمع للأصوات وكأنه يبحث عن صوت.. لا بد أنه يبحث عن شخص معين ، اطلق ابتسامة مصطنعة عندما رأني ألملم أشيائي حتى يجلس بجانبي راغبا في معرفة ما عنده.. لعلمي بأن الناس صناديق وعلى الرغم من أن بعضها كانت فارغة إلا أنني عثرت على كثير من الكنوز في الأخرى.. جلس بجانبي وأطلق تحية صباحية بدا لي أنه لم يعتد بأن يلقيها أو أنه لا يملك من يستقبلها!! فطريقتها كانت خجلة يشوبها حزن.. فرددت عليه بروح مرحة وأردفتها بدعاء... شعرت لأول وهلة بسخف الحياة وسذاجتها وبأنني يوما ما سأكون بجانب شاب في مقتبل العشرين من عمره وأنا المتهالك في العمر...

فقلت بأدب الحوار أكنيه بأبي محمد: نظر إلي بتجهم أشعرني بوخزة في قلبي ..ورد علي قائلاً: بل قل لي: الأستاذ سعيد فذلك افضل، فوافقته على ذلك.

وبعد تجاذب للحديث في مواضيع عشوائية بدء يـُشفي لوعة اشتياقي في معرفة خفاياه... لا أدري لماذا دار في خلدي لحظات غروب الشمس عندما كنت أقبع قريبا من الشاطئ في أحد أيام الربيع الدافئة والمليئة بعبق النسيم ورذاذ البحر.. وأنا اتابع المعركة الباردة بين البحر بأمواجه، والبر بفجاجه، فهذا البحر لم تكل جنوده عن الهجوم ولم تضعف حصون البر عن الصمود... هذا في الحرب اما في السلم فالبحر إنما يبعث أمواجه لتداعب خد البر وتمسح عنه تجاعيد الزمن.. والبر يفتح ذراعيه يحتضن البحر بمده والجزر.. تنهد الرجل بعمق.. شعرت وكأنه أنا الذي اخرجها بعد حديث عن أن الابناء هم "زينة الحياة الدنيا" فقال بصوت أقرب للهمس: محدثك هو أب لعدد من الابناء أنساني الزمان عددهم ..فقلت له: ولماذا لا يكون قلة الوصل بينك وبينهم هو ما أنساك ؟ نظر إلي بمكر ... رأيت حاجبه الأيمن يرتفع قليلا عن حد النظارة .. ثم ربت على فخذي قائلا: لقد تيقنت بأنك أذكى مما توقعت، وكنت زوجا لامرأة (مضمون كلامه عنها كان) كذئب السوء لما رأى بصاحبه دما يوما أغار على الدم... دفعني فضولي اللامعهود لئن اسأله عن أكثر سؤال اكرهه (إلى أين ذاهب؟) ..سكت قليلا يعالج فكرة تعصف عقله فأمسك بيدي ثم أردف قائلا: هل يستطيع كفك هذا ان يستغني عن ساعدك؟ فقلت: بالطبع, لأ فقال: ولكن الساعد يستطيع أن يستغني عن الكف، فقلت على عجل: ولكنه سيكون عضوا أشل لا قيمة له.. ومن غير سابق إنذار شعرت بيده تلتف على صدغي الأيمن وفمه يقبل رأسي قائلا: انت ولدي الذي لم أنجبه ..ثم أعقب: وكذلك أنا... هم لا يستغنوا بغيري عني وأنا من دونهم لا شيء... فوجهتي أنني أنوي الذهاب لمكان عمل ولدي لأطمئن عليه فقد سمعت أنه يعاني من مشاكل في علمه كما أخبرني جاري البارحة .

فيا موت زر إن الحياة كئيبة*** ويا نفس جدي إن دهرك هازل



*~*حامل المسك*~*


اقرأ ايضا
التعليقات أضف تعليق
يمكن كتابة التعليقات بدون التسجيل كعضو في الموقع.
ملاحظات
  • تعرض التعليقات على المشرفين قبل النشر.
  • يمكن التسجيل في الموقع للحفاظ على نشر التعليقات بإسمك.

صورة التأكيد

(*) حقول إجبارية.
التعليقاتالتعليقات
7 تعليق
ذكرى
ذكرى
(1) 2011/07/06 11:02 ص
اول القصة .. وجوه العابرين

كتب الروائي الياباني (ياسوناري كاواباتا) في إحدى رواياته: ” كان لديّ ، منذ زمن بعيد، عادة سيئة، متمثلة في التحديق في الناس الذين يجلسون إلى جواري. ولطالما حدثت نفسي بأن عليّ شفاء نفسي من هذه العادة. ولكنني وجدت أنه من المؤلم ألا اتطلع إلى المحيطين بي، واستشعرت كراهية حادة لنفسي، في كل مرة كنت ادرك أنني سقطت ضحية لهذه العادة. وربما نبعت هذه العادة من قضاء وقتي بأسره في التفرس في ملامح الآخرين، عندما كنت طفلا، وذهابي للإقامة مع آخرين. وحدثت نفسي بأن ذلك ربما كان السر فى أنني اصبحت ما أنا عليه الآن.” ... ع الأغلب يا اشرف .. قراءة تاريخ الآخرين من تعابير وجوههم .. أمر متعب للعقل ...

أوسطها ... طوبى للغرباء

كتب الروائي والمترجم المصري بهاء طاهر : " الناس لا تبوح بأسرارها للأصدقاء .. وإنما للغرباء في القطارات أو المقاهي العابرة" ... وهاي حسنة وسائل المواصلات .. طريقة للبوح ..


محورها ... أكبر الهدايا

سأبقى أباً .. و إن أعياني السقم
أحمل صغيرتي بين الأكف والألم
أنير دربها بالحب و أزرع في طريقها الحلم
أبٌ أنا .. رغم كل الألم ! ............. لأحدهم

وأكبر الهدايا المغلفة بصوت القلب .. والمرسلة عبر السماء .. هي الدعاء للآباء أحياءاً وأمواتاً .. ورد في حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام " وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له ، فيلحقه دعاؤهم في قبره “


ربي يحميك أشرف (^_^)
hydrangea
hydrangea
(2) 2011/07/06 12:07 م
شكرا كتير لالك دائما مواضيعك مميزة
نابل
نابل
(3) 2011/07/06 2:18 م
بوركت أخي العزيز أشرف على ما سطر مدادك

لعل المضمون النبيل فكرة وأصلا ومنطلقا بدا لمن تابع السرد واضحا ، وإن قلت كلماته مبتعدة عن فن الإيجاز وقريبة من قرب نفاذ الصبر على الكتابة فجاء السرد مقطوعا بعد الفقرة الثالثة أو بعبارة أخرى جاء الانتقال من الوصف المهيء لفكر القارىء واحساساته عكس ما يتوقع ، وقد تكون بقصد الكاتب أو لا .

ثم ظهر على ذاك الرجل الضعف في البنية الجسدية عندما صعد الباص والبحث عن مكان ، في حين خلعت عليه صفات القوة في الرأي والفكر وسلامة المنطق .

لم يعرف القاريء السبب في اتخاذ الرجل للراوي أبنا له ، وهل مسافة الطريق تكفي ذلك ..؟


ولقد جاءت العبارات والألفاظ من القوة والرصانة بمكان يشكر عليه الكاتب .
أخي العزيز :

فكرك نبيل وسامٍ وخيالك راق وقلمك مبدع

وفقك الله

ولك مني من الود موج بسمو الأوج
ananzeh
ananzeh
(4) 2011/07/11 12:14 ص


رائعه ومشوقة....
حامل_المسك
حامل_المسك
(5) 2011/07/16 11:53 ص
ذكرى... وجودك أضفى على قلبي الفرحة وعلى الموضوع الفائدة
لا عدمناك ...
لك خالص شكري
حامل_المسك
حامل_المسك
(6) 2011/07/16 11:59 ص
أفنان وعنانزة ... اشكركما جدا وكثيرا
الحمايده_بالقلب
الحمايده_بالقلب
(7) 2011/07/17 8:31 ص
رجل رسمت على وجهه تجاعيد الزمن.. (مهموم)

أنساه الزمن عدد أبناءه..

حتى التحيه لا يجد من يلقيها عليه ولا يجد أحداً يوجهها له..

يبحث عن وجه ليتحدث معه ويبوح له.. (وحيد)

يسمع أخبار أبناءه من الناس.. (غريب)

وفي النهايه يذهب بقدميه العجزتان ليطمئن على من نسي أن له أباً على قيد الحياه..

قلبي على ولدي.. حقاً عنوان رائع..

وقلب ولدي من حجر

ألف شكر أشرف..

تسلسل رائع وموضوع ضخم احتوته كلمات صغيرة في عددها كبيره وقوبه في معانيها..
عودة الى الموضوع