مرسل فى مادبا (1886-1891) لم يستطع الأب بيفير، في لكسمبورغ، أن يقاوم الحنين إلى الأرض المقدسة. وما إن وجّه البطريرك براكو دعوة من أجل الارض المقدسة،حتى أسرع الى تلبيتها. فأخذ طريق القدس مع أحد ابناء وطنه، السيد Weynandt ويننت، وأحد رفقائه الرهبان الذي أصطحبه من ليون: الأب لويس هيدت Heydet، الذي عاد هو أيضاً إلى القدس لخدمة البطريرك. كان البطريرك براكو بحاجة في تلك اللحظة إلى مرسل متّزن وشجاع ومليء بالحماس والغيرة لإرساليّة مادبا الفتيّة التي كانت قد فقدت كاهنها. فأرسل البطريرك الأب بيفير اليها حالاً. وما إن وصل حتى أصبح اسمه للجميع: أبونا داؤود.مادبا موقع ذُكِرَ في الكتاب المقدّس، ثم أصبحت مدينة نبطيّة مزدهرة، وأخيراً مدينة مسيحيّة تقيّة، كما تشهد آثار اثنتي عشرة كنيسة فيها. ثم بقيت لأكثر من ألف سنة خربة مهجورة. عام 1879 حصل البطريرك براكو من الأتراك، الذين أعطوا أكثر من موقع صحراوي للشركس، على بعض الأراضي في تلّة مادبا، لإقامة مسيحيي الكرك المضطهدين. فقام الأب اسكندر، مرسل الكرك القديس، بالإستقرار هناك عام 1880 مع أهل الرعيّة، التي تزايدت بوصول مجموعة من الروم الأرثوذكس. أشرف على عملية إحياء مادبا خلال ثلاث سنوات، ثم عاد عام 1883 إلى الكرك، تاركاً في مادبا مساعده الذي، لسوء الحظ، لم يكن يتمتّع بشخصية قوية. فسرعان ما فقد سيطرته على هذه الرعية الجديدة الصعبة، والتي كانت بحاجة الى قائدٍ ماهرٍ يتمتّع بصفاتٍ فريدة. ذهب شيخ من مادبا الى القدس وأعاد معه الأب بيفير- أبونا داؤود-، الذي أَستُقبِلَ بحماس، وبأغاني ورقص خيّالة البلد. ولكنه سرعان ما اختبر ما كان ينتظره. وجد مجموعة متشابكة من الغرف في القسم الاسفل من البيت، شبه مطمورة، دون أبواب أو شبابيك، فأتخذها مسكناً له. كانت هذه الغرف تتضمّن غرفته، وقاعة مدرسة، وكنيسة صغيرة. فقد كان سلفه قد أصبح بدويّاً كأبناء رعيته، واكتفى بالحياة تحت الخيم، لذا لم يفكّر ببناء رسمي. لكن بعد فصل الشتاء لأولّ مرّة، عزم أبونا داؤود أن يبدّل الوضع القائم، بعد أن سقطت عليه اقسام من البناء المتداعي. لم يكن الأمر سهلاً مع الأتراك، لكنه تعلّم منهم «قوّة البخشيش». فقد عارضه حاكم السلط الى أن وعده الكاهن بعشر نابليونات (عملة ذهبيّة فرنسيّة)، فكتب الأب بيفير إلى البطريرك في شهر نيسان: «وعدنا الحاكم بالحصول من مجلس السلط على الإذن ببناء خمس غرف. وهو سيضع ختمه وختم المجلس على الإذن حالما يحصل على عشر نابليونات بدل ذلك، وتم الإتفاق على ذلك، لكنه لن يحصل على النقود إلاّ بعد إعطائنا الإذن الرسمي بين أيدينا. كان من المفروض أن يبدأ البناء في أول شهر نيسان، لكني لم أسمع شيئا حتى الآن». كان يجب التصرّف بحذر مع هؤلاء الحكّام الجشعيين. فعندما أراد طرد أحد شيوخ بني صخر الذي غزا أراضي جلول، شرق مادبا، طلب الحاكم نفسه مئة نابليون! في الواقع، بدأ أبونا داؤود البناء، لكن لم يكن له الوقت الكافي لإتمامه. قال خليفته سنة 1892 أن السطح لم ينته بعد، وأنه لا يمكن البقاء في الكنيسة الصغيرة المطمورة لا صيفاً ولا شتاءً، وأنه يجب بناء كنيسة أخرى، بسقف مقوسّة، للتحايل على مقاومة الأتراك. واجه الاب بيفر غداة وصوله مشاكل عديدة. فقد قام الحمايدة (عشيرة متنقّلة مجاورة) بالهجوم على مخيم الرعاة في مادبا على مسافة ساعة سير، وجرحوا ثلاثة منهم. في صباح اليوم التالي، أسرج أبونا داؤود حصانه وخرج إلى ذلك الموقع مع رجال مسلحين من رعيته. امّا ثباته وحزمه في اوقات المشاكل، إضافة الى معرفته الجديّة بالطبّ، فقد اعطوه بسرعة هيبة وأعتباراً. ففتح في بيته مستوصفاً، وكان يعالج فيه يومياً بمحبّة ونجاح ما يقارب الأربعين مريضاً، كانو ايأتونه من جميع القرى المجاوره. فبعد هذه المناوشه الاولى اغار حلف من الحمايده ومن مجالي الكرك من الجنوب فتصدى لهم كل أهالي مادبا مع بعض حلفائهم، وحقّقوا انتصاراً كبيراً ولم يسقط في ساحة المعركة سوى إثنين، وجرح عشرة. وقد انتقمت عشيرة الحمايدة بأن سرقت قطعان مادبا واقتادتها نحو الجنوب. وبعد مرور عدّة أسابيع، ثأر أهالي مادبا، فسرقوا قافلة كاملة لعشيرة الحمايدة، مليئة بالمواد الغذائيّة ومتوجة الى دمشق. استعاد أهل مادبا مواشيهم، ما عدا تلك الخراف التي كانت قد أكِلت، وعوّضوا لأنفسهم عنها بما كانت تحمله القافلة من زبدة وصوف. في 18 حزيران من تلك السنة 1887، غزت عشيرة بني صخر مادبا، ولم تكن تلك العشيرة القوية راضية عن إقامة مسيحييّ الكرك في خربة مادبا. وبقيت هذه العشيرة تشكل تهديداً مستمراً لمادبا، كان آخرها عام 1956. كانت يمكن أن تشكّل غزوة حزيران 1887 نهاية الإرساليّة الفتيّة. لكن لحسن الحظّ، كان الأب بيفير على مستوى تلك الظروف الصعبة، بفضل ذكائه وشجاعته وتقديره الفعّال لقدرة "البخشيش". في الواقع إنتهت كل القصّة بمشهد تركي نموذجي حيث حوّل "البخشيش" جريمة قتل متعمّدة الى حادثة موت طبيعي. فبينما وصل إلى السلط ضابط تركي مع عشرة جنود لجبي الضّرائب، أغارت مجموعات من جمال عشيرة بني صخر على حقول مادبا. وفي نفس الوقت اقتحم أربعون من بدو تلك العشيرة بقيادة الشيخ رميح دير الكاهن صارخين بأعلى صوتهم أن مادبا ملكا لهم. لم يفقد أبونا داؤود هدوءه وبذل أقصى جهده في التحدث معهم وتقديم واجب الضيافة لهم حسب العادة العربية. وفي نفس الوقت كانت الأمور تسير الى الاسوأ في السهل، كما كتب المرسل إلى البطريرك: «خلال فترة بعد الظهر، دخل أكثر من 4000 جمل من عشيرة الزبن (وهي فرع من بني صخر) في حقول القمح التابعة لمسيحيي مادبا وأتلفوها. فضربوا الحصّادين ونهبوهم، وهدّدوهم بالموت إن لم يقوموا بخلع ملابسهم طوعاً. وحدثت مشاجرة بين أحد الرعاة وبين أحد ابناء رعيتنا الذي كان قد هرب، فتبعه الراعي وسيفه في يده. التفت الشاب المسيحي وراءه ورأى عدوّه يركض وراءه، فأفرغ بندقيته في رأسه وحطّم جمجمته. فجاؤوا إليّ وأخبروني بما حصل، لكن سرعان ما انتشر الخبر، ورأيت بني صخر يتهامسون بين بعضهم بعضاً ويتكلمون مع الشيخ رميح. وبعد العشاء، انصرف المدعوون الى بيوتهم، لكن بطريقه جعلتنا ندرك أن شيئاً خطيراً سيحدث.خلال الليل، طاف بعض الخيّالة الغرباء حول القرية. وفي الصباح دخلت مجموعة لا تحصى من الجمال من جميع الجهات إلى محصول القمح حتى وصلت إلى القرية. كان المشهد مثيرا للأعصاب. ركبت الحصان حوالي الساعة العاشرة صباحاً للبحث على فصيلة من الجنود كانوا يتواجدون في مناطق من مادبا لجبي الضّرائب. وعدت الضابط ب "بخشيش محترم"، فانطلق معنا بصحبة عشرين من الخيّالة إلى مادبا. وحال وصوله، توجّه الجنود الى الجمال، وطردوها من الحقل.لكن سرعان ما عادت الجمال من جديد، وخلفها مجموعة كبيرة من البدو المسلحين. عندما رأى الضابط هذا الامر، غضب وأمر بإطلاق النار في اتجاه الجمال لإخافتها. كانت المسافة بعيدة بين الجنود والجمال. وما أن أطلقت الفرقة النار حتى خرج الخيّالة البدو في جميع الإتجاهات وأسرعوا نحو مادبا. وعندما وصلوا على مقربة ألف مترٍ من القرية، أطلقوا النار. وكنت تسمع صوت الرصاص من جميع الإتجاهات. لكن الجنود قاوموا وردوّا على النار بالمثل. وعندما رأى الضابط ان عدد البدو يزداد باستمرار، أرسل مرسالاً إلى شيخ البلقاء طالباً منه العون. وبعد غروب الشمس، وصل حوالي 400 جندي من الخيّالة والمشاة. حينئذٍ انسحب بنو صخر، مهدّدين بالانتقام المريع في الصباح. كان كلام الحرب يُسمَعُ خلال الليل كلّه وأعلنت حالة "الحِداد"، وكان مجموعات منهم تأتي وتذهب باستمرار.قرر الضابط إيفاد مرسال إلى السلط يطلب النجدة بعد أن رأى تجهيزات البدو. وكتبت أنا أيضاً إلى الأب جاتي Gatti (كاهن رعيّة السلط، وهي العاصمة الإداريّة) كي يضغط على الحاكم ليرسل الينا قوّة مسلّحة. وصلت بعد ظهر ذلك اليوم فرقة من السلط مكّونة من ستين خيّالاً، كان من بينهم طبيب العسكريّة ووكيل الشرطة. فتوجّهوا حال وصولهم إلى مخيم بني صخر واستدعوا شيوخ القبيلة: مراور، وقامان، وضيف الله واستفهموا منهم عما حدث. فأجابوا أن سطّام – وهو كبير شيوخ بني صخر- قد أمرهم بالإغارة على محصول المسيحيين، ووعدهم أنه سيتدبّر الامر مع الحاكم إذا شكاهم المسيحيّون. ثمّ ادّعوا أن المسيحيّين قتلوا واحداً منهم، وطلبوا النـزول إلى مكان الحادث للبحث عن الرجل الذي قُتل ودفنه.وفي صباح الغد، نزلوا إلى المكان للبحث عن الرجل. لكن بفضل "البخشيش" الذي وعدتهم به، كان القرار أن الرجل لم يُقتَل، بل مات موتاً طبيعيّاً، وأن الجسد قد تحلّل وفَسُد بحيث أنه لا يمكن تشريح الجثّة. وقّع هذا القرار كلّ من الطبيب ووكيل الشرطة، وأخو سطام وهو ابن القتيل وعدد كبير من وجهاء البلقاء.بعد أن انتهى كلّ شيء، طالبت بالذهاب إلى الحقول المدمَّرة وإعداد تقرير عمّا حصل. وبعد أن زرنا الاراضي، قدّر الخبراء الخسارة بحوالي 1200كيل (60شوال) قمح والتي تُقدَّر ب 4000 مجيدي. وقد ختم كل المذكورين أعلاه هذا التقرير.طالبت أيضاً بأن يطوى بنو صخرٍ خيامهم، وأن يرحلوا من مادبا هم وقطعانهم. وبالفعل غادرت المكان مجموعة كبيرة من البدو من جرّاء ذلك التهديد القوي الصادر من الضابط... لقد خاف بنو صخر … فقد رأوا الحاكم يساعد المسيحيين، وهددّهم الضبّاط بالسجن.بعد أن غادر الجند، أتانا وفد بعد الآخر لإجراء السلام. لكنّي لم أقبل أيّ سلامٍ معهم، وكنت أواصل التهديد... لا شك إنّ هذه الضربة كلّفتنا غاليا، لكن الخطر الذي كان يهدّد الأرساليّة، وصعوبة التراجع عن الموقف القوي كانت مكلفة أيضاً... لا أعرف إن كان ما عملته هو الصواب، لكني على كلِّ حال، أؤكّد أنني عملت ما كان بوسعي... ثم أن كل هذه "البخشيشات" قد سُلِبَت منّي بطريقة جشعة: «أنت تدفع ونحن نعمل». قُمنا بتحديد المبلغ بعد مفاوضات طويلة... ولم يحصلوا على المال الاّ قبل خروجهم، وبعد أن نفّذوا جميع ما طلبته منهم. لقد رأينا كيف أن الأب بيفير – باتخاذه قرارات صعبة في ظروف مأساويّة تهدّد وجود الإرسالية، وبتأقلمه مع السلطة السياسيّة باستعماله "البخشيش"- سيطر على الوضع العام، ونعمت الرعية بالسلام لمدّة ثلاث سنوات. وكان على خليفته أن يجدّد كل شئ سنة 1891. فرض الأب بيفير احترامه على شيوخ المنطقة، كما فرضه على ابناء رعيته المسيحيين. فبالرغم من طبع هؤلاء البدوي، كان الاب بيفر يتعزّى برؤية تقواهم. في تلك الفترة، لم تكن وسائل كثيرة للتسلية، سوى الغزوات والحروب المتقطعة، لا صحف يوميّة ولا راديو ولا سينما، لذا كانت أغلبية الناس تذهب لحضور القداس يوميّاً، وللمشاركة في الصلوات الجماعيّة صباحاً ومساءً. |
اقرأ ايضا |
أضف تعليق |
|
|
|
|
التعليقات6 تعليق | |
![]() ابو_ربيحة |
(1) 2009/08/30 12:12 م
|
1988 |
(2) 2009/08/30 12:16 م
|
الغازي |
(3) 2009/08/30 12:32 م
|
الغازي |
(4) 2009/08/30 12:33 م
|
![]() salehwladat |
(5) 2009/08/30 12:45 م
شايفين إنو المسيحية بأسلوب التعامل وصلو للي بدهم ياه وصارو من سادات مادبا و مافي زيارة لأحد الروس الكبار لمادبا إلا بيكون أحد مسيحية مادبا على رأس الزيارة يا عمي شعب بيفهم لكن غحنا يا حسرتي مشاطرنا على بعض مع العلم إنو في كبار من بني حميدة و معروفين قامو بمساعدة العديد من مسيحية مادبا طبعا على حساب بني حميدة أخي الغازي أشرك للموضوع الحلو و أعتذر منك لإني لفيت عن محور الموضوع |
الغازي |
(6) 2009/08/30 1:12 م
|
عودة الى الموضوع | |