مذكرات معلم
كتب بواسطة: بكرالسواعدة | بتاريخ: 2011/01/20 | المشاهدات: 826 | التعليقات: 11 | آخر تعليق |

أذكر ذلك اليوم الذي صدر فيه قرار تعييني في التربية لأكون معلماً.. لقد شعرت لحظتها بسعادة غامرة، كيف لا وأنا أصبحت معلماً! أتعرفون معنى أن يكون المرء معلماً؟ إنها تعني الكثير الكثير.. تعني أن تكون ذا مكانة في مجتمعك تخولك الحديث مع أي إنسان مهما كان وضعه وهو ينظر إليك باحترام وإجلال؛ نعم فأنت معلم..
إنها تعني أن تكون مطاعاً من قبل الطلاب وحتى من قبل أهلهم؛ فأنت معلم..
أخذت صورة معلميّ تتراءى أمام عيني، تذكرت ذلك الوقت الذي كنت فيه طالباً كنا ننظر إلى المعلم على أنه إنسان غير عادي.. إنسان نكن له الاحترام والإجلال وحتى الخوف.. نعم كنا نخافه لدرجة أن أحداً منا لا يجرؤ على الكلام في حضرته إلا بإذن منه، وإن لم يأذن لنا بالكلام بقينا جالسين بصمت ننظر إليه..
تذكرت والدي ذات يوم حينما عدت إلى البيت غاضباً لأن أحد معلميّ عاقبني.. أتعرفون بماذا رد والدي! لقد قال لي: لو لم ترتكب خطأ كبيراً لما عاقبك المعلم..
ما زالت كلمات والدي تطن في أذني لتذكرني بمنزلة ذلك الإنسان لدى والدي ولدى المجتمع كله..
بدأ العام الدراسي.. فاستيقظت من نومي مبكراً أنتظر وقت ذهابي إلى المدرسة، أو أنني لم أنم أصلاً لا أعرف أهي السعادة أم الرهبة هي سبب عدم نومي.. ارتديت أجمل ما لدي من ثياب ثم انطلقت إلى المدرسة.. كان يعتورني شعور خفي من الفرح والخوف في آن واحد.. كنت فرحاً لأنني أخيراً سأقف أمام الطلاب.. أتكلم وهم يستمعون إليّ.. آمرهم فينفذون أوامري.. والأهم من هذا وذاك أنني سأعلمهم ليكونوا لبنات قوية تبني هذا البلد الحبيب.
ما إن وصلت إلى المدرسة حتى قابلني المدير، كان رجلاً في العقد الخامس من عمره، تبدو عليه علامات الوقار والهيبة.. كيف لا وهو مدير. أخذ يحدثني عن مهنة التعليم وأنها رسالة سامية وكيف أن المعلمين هم من يخرجون الأطباء والمهندسين وحتى الوزراء..
كنت أستمع إليه بشغف وفضول؛ لأنني كنت أود الاستفادة من خبرته الكبيرة؛ فأنا ما زلت صغيراً ولا خبرة لدي في التعليم.. وبعد أن أنهى المدير كلامه طلب إلى أحد الزملاء اصطحابي إلى غرفة الصف.. أخذت أسير في ممرات المدرسة وهو إلى جانبي.. أحسست لحظتها بمشاعر مختلطة لم أستطع تفسيرها، ولكن ما أعرفه أنني كنت سعيداً وفخوراً بنفسي، وقبل أن نصل إلى غرفة الصف استوقفني ذلك الزميل وهمس في أذني: (كن حذراً يا أخي فهؤلاء الطلاب شياطين وإن لم تعجبهم فسوف يتعبونك... ) لا أنكر أنني استغربت كلامه؛ فحتى لو كان الطلاب شياطين كما يقول فأنا معلم ومن واجبهم احترامي..
مر يوم.. أسبوع.. شهر.. سنة، وفي كل يوم كانت أحلامي وطموحاتي تتكسر أمامي شيئاً فشيئاً لقد وجدت صورة مغايرة تماماً لما كنت أحلم به أو أتصوره؛ فالطلاب ليسوا كما ظننتهم، والمدرسة لم تعد ذلك المكان الذي تشعر فيه بأنك مجاب مطاع محترم، بل على العكس من ذلك فأنت مجبر على ملاطفة الطلاب ومسايرتهم حتى لا يحولوا حياتك إلى جحيم، ولا غرابة فأنت لا تملك أي سلطة عليهم.. ولا سبيل لديك لإسكاتهم وتعليمهم سوى تحريك ما لديهم من قيم جميلة موروثة عن الأجداد بأن المعلم إنسان يستحق الاحترام، أما من لم يسمع بمثل هذه القيم فهو يمثل صخرة تجثم على صدرك أو قنبلة موقوتة يمكن أن تثور بوجهك في أي وقت..

أما المدير فهو العنصر الثاني من عناصر الضغط عليك؛ فهو يطالبك بتحقيق المعادلة الصعبة ( ضبط الصف دون سلطة) دون أن يحاول مساعدتك في شيء، بل أحياناً ما تحس بأن الطلاب أقرب إليك منه وأكثر حرصاً عليك منه؛ فهو لا هم له إلا أن يظهر للمسؤولين أنه مدير بكل معنى الكلمة.. لا يغادر معلم إلا بإذنه.. وإن أخطأ ذلك المعلم المسكين لأي سبب تجده صارماً حازماً معه يود لو ينسفه أو يخفيه عن وجه الأرض.. وكأن ذلك المدير لم يكن معلماً يوماً ما..
وإن أردت الحديث عن الأهل فإن كلامي سيطول كثيراً؛ فهم يردون من المعلم أن يقوم بدورهم في التربية والإصلاح، وأن يقوم بما يعجزون هم عنه.. نعم فهو معلم (حاضنة) مسؤول عن أولادهم حتى خارج أسوار المدرسة.. وإن قدر لك أن تعاقب أحد التلاميذ فأنت في ذلك اليوم ممن دعت عليهم أمهاتهم.. فتراه ينهال عليك بوابل من الإساءات المتضمنة بعض المحاضرات في أساليب التربية وأدبيات التعليم دون أن تستطيع الرد عليه.. نعم فأنت في نظر القانون مذنب وإن لم يكتفِ هذا الابن بالعقاب الكلامي لك فستجد نفسك في السجن...

وها أنا ذا وبعد مرور اثني عشر عاماً على ذلك اليوم الذي أصبحت فيه معلماً أكتب كلماتي هذه وقلبي يعتصر ألماً وحزنا على ما آل إليه وضع التعليم والمعلمين.. وعيناي تنظران إلى السماء بالدعاء والابتهال إلى الله أن يصلح ما فسد من أمر المعلمين والمدارس والطلاب والأهالي.. أو أن أجد مصدر دخل آخر أحصل فيه على لقمة عيشي دون أن أهان...


اقرأ ايضا
التعليقات أضف تعليق
يمكن كتابة التعليقات بدون التسجيل كعضو في الموقع.
ملاحظات
  • تعرض التعليقات على المشرفين قبل النشر.
  • يمكن التسجيل في الموقع للحفاظ على نشر التعليقات بإسمك.

صورة التأكيد

(*) حقول إجبارية.
التعليقاتالتعليقات
11 تعليق
مدير_الموقع
مدير_الموقع
(1) 2011/01/20 8:30 م
كل التقدير اخي بكر فهذه المهنة من انبل المهن وهي ليست سهلة كما جعلتها تبدو القوانين والحكومات فراتب المعلم توقف عن الزيادة منذ زمن بعيد عندما كان بنفس مستوى باقي الموظفين حيث اصبحت المادة هي المقياس لكل شيء.
احببت تجربتي كمعلم لمدة شهرين، فطالما تمنيت ان اقوم بنفس الدور امام الطلاب منذ صغري، حيث درّست في احدى القرى في مادبا كمعلم حاسوب والمفارقة انه تم اعطائي صف رابع لأدرسه اللغة العربية فانظر كيف هي القوانين وحال هذه المهنة والنظام التعليمي الضعيف.
بكرالسواعدة
بكرالسواعدة
(2) 2011/01/20 8:52 م
صدقت أخي صخر فمهنة التعليم من أشرف المهن ولكن القوانين التربوية غير المنسجمة مع واقع تعليمنا هي التي حطت من قدر هذه المهنة...
مع خالص شكري لمرورك
صاحبة_السمو
صاحبة_السمو
(3) 2011/01/20 11:49 م
قال احمد شوقي "قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا"... من الصف الأول او قبل دخولي المدرسة وانا اسمع هاي الكلمات وكان في هيبة للمعلم و ووقار
وكنا نحترمهم ونخاف منهم
لكن للاسف القوانين التعليمية الحديثة وكثرة المبادرات اساءت للمعلم والطالب...
والأهل الهم دور كبير بالتربية والتعليم
- اخوي قبل فترة صغيرة صارت معه مشكله مع احد طلاب احدى مدارس لوائنا الحبيب ضرب احد الطلاب بالعصا ضربه خفيفة من غيرته عليه عشان يتعلم راح الطالب وحكى لأهله وجاب تقرير طبي بانه اخوي ضربه وهدده بسلاح "موس" واجت الشرطة على المدرسة بدها تسجنه لولا زملائه وتدخلهم ودخل الوالد بالموضوع وراحو جاهة على الأهل الطالب وحلو الموضوع وبالآخر اخوي طلب نقل وانتقل...-
ومثل هالقصص كثير انا بحكي 50% على الأهل هم الأساس

شكرا اخوي على الموضوع وسامحني على الإطالة

حامل_المسك
حامل_المسك
(4) 2011/01/21 4:23 م
أخي العزيز:
اولا اشكرك كثيرا على متانة النص وحسن اختيار الالفاظ وتسلسل الأفكار
اثبتت جدارتك في الأنتقاء والإرتقاء فلك مني كل الشكر على مجهودك

بعد ذلك...
مما لا شك فيه أن اساس ارتقاء الامم وعلو همتها هو العلم
وخير من يقوم بذلك هو المعلم
ولإنهم لا يريدون منا أن نرتقي أشاعوا لنا جملة الحقوق التي لا يعرفون عنها شيء
فصار حقوق الاطفال وحقوق الطلاب وحقوق المرأة
وكل هذه الحقوق ليس لها هم إلا أن يكبلوا المعلم وجعله متفرجا لا مصححا
وقد أحسن القائل حين قال:
قم للمعلم وفيه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا
ارأيت أكرم أو أجل من الذي*** يبني وينشأ انفسا وعقولا
سبحانك اللهم خير معلم *** علمت بالقلم القرون الأولى

ولكن لا عجب من أن يلاقي المعلم كل هذا النقد
...فالناس ترمي الشجرة المثمرة
والجاهل الذي يطلق صفة العموم على الجميع من موقف واحد أو فكرة واحد من واحد في ظرف خاص
وما على البدر أن قالوا به كلف *** ولا على المسك أن المسك مفتوتا
لطالما أخلي الياقوت جمر غضا*** ثم انطفى الجمر والياقوت ياقواتا

والذين يستغلون أدنى فرصة للإطاحة بكرامة المعلم فأولئك ما مثلهم إلا كمثل كلب امرأة اعرابية زعموا أنه جاع ليلة فأخذ ينبح فاخرجته من بيتها فنظر إلى السماء فرأى القمر بدرا فظنه رغيف خبز فأخذ ينبحه
فقال الناس: كلبٌ ينبح قمرا
وليس يضير البدر شيئا *** ولو كل الكلاب ينابحونه

فيلزم المعلم أولا واخرا أن تترسخ عنده قناعة بأن الذي يقوم به أكثر من وظيفة
هو يبني جيل ويعد رعيل
حتى يحرر الوطن من مخاوفه ويفك الدين من أسره
ويرتقي بنفسه فكريا وعقليا ومن حوله أيضا من طلاب أولا ومن مجتمع ثانيا
بكرالسواعدة
بكرالسواعدة
(5) 2011/01/21 8:17 م
شكراً أختي صاحبة السمو على مرورك وملاحظتك
وبالنسبة لقصة أخيك فقد حصلت لي قصة مشابهة لها ودخلت السجن على إثرها
مع خالص شكري واحترامي لك
عاشقة الحمايدة
عاشقة الحمايدة
(غير مسجل
في الموقع)
(6) 2011/01/21 9:44 م
كلمات جميلة جدا
أشكرك على هذه المقالة الرصينة
ذكرى
ذكرى
(7) 2011/01/21 9:52 م

إلى أن تعود للمعلم مكانته ... يبقى سلك التعليم آخر الاحتمالات الوظيفية لدي ...


نص متقن باحتراف ...
بكرالسواعدة
بكرالسواعدة
(8) 2011/01/21 9:55 م
أخي حامل المسك...
أشكر لك مرورك وإطراءك وكذلك اهتمامك؛ فكلمات مثل كلماتك تدفعنا إلى المضي قدماً في تحسين وضع التعليم والمعلمين وكذلك الطلاب في وطننا الغالي
وبالنسبة لقصيدة أحمد شوقي التي أوردت مشكوراً أبياتاً منها في تعليقك فقد نظمت قصيدة معارضة لها وسأنشرها قريباً من خلال طيات هذا الموقع العزيز على قلوبنا جميعاً
كلمة_حق
كلمة_حق
(9) 2011/01/21 11:33 م
يبدو أن الجميع كان يحلم ان يكون معلما .. وانا كذلك أحبتت أن أكون معلمة ... رغم مواجهتي للمعلمة الغير جيدة - دعني اسميها - والمعلمة الجيدة .. أحببت أن أكون كذلك لكن أن لا أمتهن التدريس رغم أنها مهنة جميلة لكنها في ظل الوضع الحالي فهي لا تطور من وضع المعلم شيئا ولا تكسبه اي تجربة وخبرة ... لكني أقر وأعترف بجميلهم وفضلهم ... خصوصا من يتعايشون مع المهنة لتصبح بالنسبة لهم اكثر من مهنة وباب رزق .. بيدهم الكثير .. لكنهم ايضا بحاجة للمزيد من الدعم .. وأول هذا نقابتهم التي يطالبون بها ... والحديث يطول


رؤيا جميلة وبالتوفيق في عملك أخي
الحمايده_بالقلب
الحمايده_بالقلب
(10) 2011/01/22 10:05 ص
عن جد .. مهنة التعليم وهي أشرف مهنه صارت مهنه خطيرة والكل بيتهرّب منها..

أخوي بيعمل مدرّس وبيحكي إنو الوضع مزري جداً.. الأستاذ بيقدرش يحكي مع الطالب كلمه وحده.. وكل الحق على الأهل..

المعلمه والأستاذ اللي كنّا بنستحي نرفع عينّا فيهم صارو ينهانو بهالطريقه..؟؟!

آخ منك يا الدنيا .. رخصتي الغالي..

وين أيام ( كاد المعلّم أن يكون رسولا)..!!

بعتذر على الإطاله أخي بكر المحترم..

المقناص7
المقناص7
(11) 2011/01/23 8:30 م
سلمت يمناك أخي العزيز بكر السواعدة

نعم كل ما تفضلت به صحيح ولكنك تبقى صاحب اللواء العالي برفعة الأمة وعندما ترى نتاج يديك وجهدك يثمر سترى السعادة الحقيقية .....

كلما اقترنت المشقة والألم بعمل كان عطاؤه مميزا ....

أتمنى لك التوفيق ...
عودة الى الموضوع