من أجمل المناظرات التي قرأت !!
كتب بواسطة:
المقناص7 | بتاريخ: 2009/10/15 | المشاهدات: 401 | التعليقات: 3 |
آخر تعليق |

هذه المناظرة الطريفة أوردها ابن قيم الجوزية في كتابه
(روضة المحبين ونزهة المشتاقين)
: "كما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا وهذه لها لذة الرؤية
وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان ، ولما وقعا في العناء
واشتركا في البلاء اقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه :
فقال القلب للعين :
أنت التي سقتني إلى موارد المهلكات وأوقعتني في الحسرات
بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء
من الحدق المراض وخالفت قول أحكم الحاكمين
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
وقول رسوله صلى الله عليه وسلم :
"النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه
من خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ".
فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم؟
أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان
فما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما..
فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعيش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه
ليسلم من الضرر أو ما علمت وسمعت قول العقلاء :
"من سرح ناظره أتعب خاطره ، ومن كثرت لحظاته دامت حسراته
وضاعت عليه أوقاته وفاضت عبراته وقول الناظم :
نظر العيون إلى العيون هو
الذي جعل الهلاك إلى الفؤاد
ما زالت اللحظات تغزو
قلبه حتى تشحط بينهن قتيلاوقول الآخر :
تمتعتما يا مقلتي بنظرة
وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه من الظلم
سعي اثنين في قتل واحدفقالت العين :
ظلمتني أولا وآخرها وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا
وما أنا إلا رسولك الداعي إليك
ورائدك الدال عليك ، فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع ،
اركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد ،
فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي لسمعت وأطعت ،
ولما رعيت في الحمى ورتعت ، أرسلتني الى صيد قد نصبت لك
حبائله واشراكه واستدارت حولك فخاخه وشباكه ،
فغدوت أسيرا بعد أن كنت أميرا وأصبحت مملوكا بعد أن كنت مليكا.
هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام عليه الصلاة والسلام حيث يقول :
"إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت
فسد الجسد كله ألا وهي القلب ".ثم أما علمت أن الله سبحانه
قد خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ،
ليس فيه غير حبه وإتباع رضاه.
ثم اتبعت العين وقالت :
وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس
.وقد قال من بيده أزمة الأمور
(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج -46.
فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت :
أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف
من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما :
يقول طرفي لقلبي هجت لي سقما
والعين تزعم أن القلب أنكاهاوالجسم يشهد
أن العين كاذبة
وهي التي هيجت للقلب بلواها
لولا العيون وما يجنين من سقم
ما كنت مطرحا من بعض قتلاهافقالت الكبد المظلومة
اتئدا قطعتماني وما راقبتما اللهثم قالت :
أنا أتولى الحكم بينكما ، أنتما في البلية شريكا عنان ،
كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان ، فالعين تلتذ والقلب
يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل :
ولما سلوت الحب بشر ناظري لقلبي فقال القلب
لي ولك الهنا تخلصت من إحياء ليلك ساهرا
وخلصتني من لوعة الهجر والضنا
كلانا مهنأ بالبقاء فإن تعد
فلا أنت يبقيك الغرام
ولا أنا
وإن لم تدرككما عناية
مقلب القلوب والأبصار
،وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار ، قال الشاعر :
فو الله ما ادري نفسي ألومها --
على الحب أم عيني المشومة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت --
وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي -- فيا رب كن عونا على العين والقلب
ثم ختمت
الكبد بقولها :
والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما
بين يديه فإن في الأثر المشهور :
لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم
الروح والجسد
فيقول الجسد للروح :
أنت التي حركتني وأمرتني وصرفتني ، وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك ،
فتقول الروح له :
وأنت الذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة
فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول :
مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا
فقال المقعد للأعمى :
أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام
وقال الأعمى : أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا
فقال له المقعد :
تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة؟
فيقول عليهما ، قالت الكبد :
فكذلك أنتما ".
فمهما اختلف الزمان وتغير المكان فيظل الإنسان هو الإنسان
لا فارق بين الإناث والذكران ،
فقد أودع الله في كل منهما الغريزة والميلان ،
إن هما ضبطاها وهذباها كانا كملائكة الرحمن ،
وان أطلقا لها العنان كانا أسوأ من الشيطان ، ومصيرهما النيران
، فلا تقل هي ولا تقولي هو بل قولا كما قال آدم وحواء
(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)
المصدر
كتاب
(روضة المحبين ونزهة المشتاقين)
شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية
|
|