من بطولات الجيش العربي الأردني (الشهيد الملازم أول سليمان عطية الشخانبة)
كتب بواسطة: أبو_عايد | بتاريخ: 2009/03/06 | المشاهدات: 1180 | التعليقات: 7 | آخر تعليق |
 كان يوم لا يمكن له أن ينسى، مكانه منطقة وادي التفاح غرب مدينة نابلس عاصمة جبل النار والزمان الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء السابع من حزيران عام 1967 اليوم الثالث لحرب الأيام الستة.
في مثل هذا اليوم قبل أربعة وثلاثين عاما وقعت المعركة بل الملحمة البطولية الخالدة التي لا يمكن للشعب الفلسطيني أن ينساها لا سيما النابلسيون الذين وصلوا إلى أرض المعركة وأسرعوا ببناء ضريح لشهدائها الأبرار.
إنها قصة رائعة كتبت بالدم وكان الاستبسال وكان الصمود أسطوريا، دبابة واحدة يقودها بطل من أبناء هذه الأمة الإسلامية العربية هو الشهيد المقدم صالح عبدالله شويعر من بني شمر الضابط المتميز في الجيش العربي الأردني الذي لم يكن أحد يعرف اسمه وقد أطلق عليه النابلسيون اسم الشهيد أبوهاشم، من أين جاءت هذه التسمية؟ لا أدري.. إنه أبوعلي أب لثلاثة أطفال علي وناصر وفايز وقد ابلغني بعد سنوات من المعركة المشير فتحي أبوطالب بمعلومة لم نكن نعرفها إضافة إلى اسم الشهيد وكنيته وعن ثلاثة شهداء آخرين خاضوا معه المعركة وكتبت لهم الشهادة.
والملازم أول سليمان عطية سليم الشخانبة من عشيرة بني حميدة وكان قد تزوج قبل ثلاثة أشهر فقط من موعد المعركة ورزقه الله بعد ستة أشهر وهو في جنات الخلد بابنة أسموها أمل والرقيب أول صياح فياض عواد الفقراء مأمور الإشارة والإتصال، والجندي أول راشد نمر العظامات سائق المدرعة الأردنية التي تصدت وحدها لرتل من مدرعات العدو الصهيوني التي حاولت اقتحام المدينة واحتلالها من الناحية الغربية.
بدأت المعركة في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء في السابع من حزيران عام 1967 واستمرت لأكثر من ثلاث ساعات، وانتقلت من منزلي مع أسرتي الصغيرة إلى منزل خالتي الشاعرة فدوى طوقان بناء على رغبتها وكان قريبا ومطلا على ساحة المعركة كنا نسمع ولا نرى، نسمع دوي القنابل ولا نرى ما يحدث وإن كنا قد حددنا الموقع تماما وأيضا إن مواجهة بالمدافع قد بدأت، بعد الساعة الخامسة شاهدنا طائرتين حربيتين تغيران على الموقع جاءتا من ناحية الغرب وانقضتا على الموقع عدة مرات واستمرت هذه الغارة الجوية نصف ساعة بعدها توقف القصف المدفعي تماما وعادت الطائرتان من حيث أتيتا ونحن كما ذكرت نسمع دويا ضخما ولا نرى شيئا مما كان يجري. علمنا بعد ذلك شيئا من تفاصيل تلك المعركة من اخواننا وأهلنا فلسطينيي عام 1948 ما خلال ما قرأوه في الصحف العبرية وما سمعوه من راديو العدو. حدثني الصديق الشاعر عصام العباسي الذي صمد مع أسرته في مدينة حيفا ولم يتركوها في أول زيارة له لمدينة نابلس فقال إن جيش الاحتلال الصهيوني دخل مدينة نابلس في الساعة الثانية عشرة بلواء مدرع من بوابة نابلس الشرقية عن طريق وادي الباذان قادما من مدينة بيسان وكان من المقرر أن يلتقي بلواء مدرع آخر يدخل نابلس من بوابتها الغربية وكانت المدرعات قد خرجت من بلدة الخضيرة. إلا أن معركة وادي التفاح والمقاومة الأسطورية كما وصفتها الصحف والاذاعات العبرية حالت دون ذلك ولم تتمكن المدرعات الغازية وبمساعدة الطيران أن تدخل المدينة إلا عند الساعة السابعة مساء، بعد ذلك بدت المدينة حزينة كئيبة وهي تغط في ظلام دامس فلا انارة شوارع ولا حركة في البيوت، قلوب مظلمة ومنكسرة والناس في كرب عظيم ولم ينم أحد في المدينة طوال الليل سوى أطفالها.
      في أبشع صباح وكان صبيحة يوم الخميس الثامن من حزيران وعند الساعة السابعة وصلت إحدى سيارات الاطفاء التابعة لبلدية نابلس بلونها الأحمر وقد رفع عليها علم أبيض واتجهت نحوها مسرعا لأرى زميلين من أعضاء المجلس البلدي بداخلها لتأخذنا إلى دار البلدية وسط المدينة.
رأيت ما لم أكن أتوقع أن أراه في حياتي جنود وضباط وسيارات "جيب" تنبعث منها أصوات أجهزة الاتصال ومدرعات منتشرة أمام مداخل البلدة القديمة وعلى مفارق الشوارع، رأينا المجندات اليهوديات وهن أشبه بالعاهرات من حيث اللباس والتصرفات وكان ذلك أمرا مقصودا من أجل تحطيم روحنا المعنوية واحباطنا وادخال اليأس القاتل إلى نفوسنا!!
      دخلنا دار البلدية واتجهنا نحو قاعة الاجتماعات، كان رئيس البلدية المرحوم حمدي كنعان موجودا ومعه عدد من أعضاء المجلس البلدي وأخبرنا أن الضابط الصهيوني الذي احتل المدينة في طريقه إلينا، وبالفعل دخل علينا وبدون اتفاق مسبق لم ينهض أي واحد منا من مقعده ولم يصافحه أحد منا، شعر هو بذلك وحاول أن يكون لطيفا ومهذبا وقال ما معناه باللغة العبرية وترجم الى العربية على الفور: وقع ما وقع وعليكم أن تتعاملوا مع هذا الواقع الجديد خدمة للمدينة والسكان، أطلب نقل الموتى ودفنهم حالا وأكثريتهم عند مداخل المدينة غربا وشرقا واعادة التيار الكهربائي حتى تتمكن مضخات الماء من العمل، استدعوا كبار الموظفين وجميع المهندسين والفنيين وقسم الصحة وسأعطيهم التصاريح اللازمة، ورأيناه يوجه كلامه إلينا ويقول: أريد أن أقول لكم شيئا لا علاقة لكم به، يوم امس غرب المدينة وعند الظهر تعرضت قواتنا لمقاومة غير عادية، مدرعة للجيش الأردني تصدت لنا وقاتلت بشراسة في النهاية تمكنا منها ودمرناها وقتل قائدها، احترمه جنودنا فأعدوا له قبرا دفن فيه بعد أن أدى جنودنا له التحية العسكرية، هذا الكلام أشعرنا أنه قد شد من أزرنا ورفع من معنوياتنا المحطمة وطلبنا زيارة الموقع وتم ذلك، وصلنا موقع الضريح وقرأنا الفاتحة ووضعنا من حوله بعض الأحجار لتحديد مكانه وبعد ذلك تم بناء ضريح على عجل من الاسمنت وبعد أن وضع أحد مهندسي البلدية ماهر الحنبلي تصميما لاقامة نصب تذكاري في الموقع وبدأنا بالعمل، أخطر الحاكم العسكري البلدية أن وزير الحرب موشيه ديان يرفض ذلك وتوقف العمل بأمر عسكري احتلالي.
      ضريح شهداء معركة وادي التفاح أصبح معلما استشهاديا ووطنيا كبيرا في مدينة نابلس والأطفال الصغار يستمعون بلهفة إلى الكبار وهم يحدثونهم عنه والجميع وضعوا الضريح بقلوبهم وفوق رؤوسهم ويعتبرونه أمانة غالية في أعناقهم وإلى الأبد.
      حينما كنت أشغل منصب رئيس بلدية نابلس لاحظت أن الضريح بدأ يتآكل وأصبح في وضع لا يليق بمقام الشهداء قررت أن نقيم ضريحا واستبدال الاسمنت بالحجر ووضع أسماء الشهداء بشكل بارز وكان ذلك بالذكرى العشرين في شهر حزيران من العام 1987. وأرى أن من واجبي أن أذكر أن مشيد الضريح رفض أن يتقاضى فلسا واحدا وقال "ثوابي عند الله والشرف الذي نلته من القيام بهذا العمل أكبر من مال الدنيا بأسرها".
      وفي الذكرى الحادية والثلاثين للسابع من حزيران عام 1998 أحيت مدينة نابلس هذه الذكرى في موقع الضريح وتم تصوير الحفل التأبيني على "فيديو كاسيت" وأخذت الصور التذكارية وكان العديد من رجالات المدينة وشبابها يشاركون في هذه التظاهرة التي أكدت على وحدة الدم والنضال وأن الشعبين الأردني والفلسطيني أبناء عائلة واحدة وقلت في كلمتي إنها وحدة الدم التي لا يمكن لأحد أن يعبث بها أو ينال منها، في معركة الكرامة استشهد ابن نابلس البار تيسير هواش وجبلت دماؤه بتراب السلط ومن قبله جبل تراب نابلس بدماء الشهداء صالح عبدالله شويعر ورفاقه.
      هذه الوحدة المقدسة، وحدة الدم والمصير المشترك لن نمكن أحدا أن ينال منها وتعهدت أمام ضريح أبي علي أن أزور بيته في الزرقاء وأن أحمل معي كمية من التراب وصورة للضريح وشريط الفيديو وكان ذلك، وقام وفد من رجالات نابلس وفلسطين بزيارة بيت الشهيد حاملين معهم تراب فلسطين وصورة كبيرة للضريح وشريط الفيديو وكان اللقاء في بيت الشهيد مع أسرته وجمع كبير من أهل الزرقاء، وحدثنا ليلتها نجله ناصر وكان في الثالثة من عمره يوم الاستشهاد "إنّ حجر هذا البيت وتنفيذا لوصية الوالد الشهيد من أحجار قباطية جماعين وكانت الوالدة وهي تحدثنا عن والدنا تقول: أنه أوصى أيضا أن تكون حجارة ضريحه من حجر فلسطين وشاءت الأقدار، أن تكتب له الشهادة فوق تراب فلسطين ويدفن في مدينة نابلس عاصمة جبل النار وهو يدافع عن بوابتها الغربية في منطقة وادي التفاح، سقط شهيدا وهو واقف على قدميه مرفوع الرأس موفور الكرامة ضاربا المثل الأعلى في البطولة والتضحية والفداء، وأخال روح شاعر فلسطين إبراهيم طوقان كانت تحلق في سماء المعركة تحيي الشهيدج البطل وتردد أبياتا شعرية من قصيدته (الفدائي):
      لا تسل عن سلامته              روحه فوق راحته
هو في الواد واقف               والردى منه خائف
فأهدئي يا عواصف              خجلا من جراءته
صامت لو تكلما                  لفظ النار والدما
لا تلوموه قد رأى                        منهج الحق مظلما
      نعم لقد تذكرت الموت خائفا من الشهيد أبي علي الذي قاتل واستبسل وتصدى للعدو الغازي بشجاعة الرجال، أوقف رتلا من المدرعات فدمر بعضها وعطل البعض الآخر، شاهدنا بأم أعيننا في اليوم التالي للمعركة ساحة القتال وكأن جيشين كانا يلتقيان والحقيقة أنه رجل صمد أمام جيش شل حركته وصدّ تقدمه فاستعان بطائرات الميراج المقاتلة التي انقضت عليه مرات عديدة قبل أن تنال منه وقضى أبوعلي مجاهدا في سبيل الله، في سبيل عروبة فلسطين أرض الإسراء والمعراج وأصبح واحدا من أكبر رموز شهدائنا الأبرار الذين زرعوا الرعب والخوف في قلب الإرهابي شارون سفاح صبرا وشاتيلا وسفاح قانا شمعون بيريس في عملياتهم الاستشهادية.. ها هو الشهيد صالح عبدالله شويعر ينام نومته الأبدية في ثرى فلسطين وفي نابلس عاصمة جبل النار تحديدا، وشهيدنا تيسير هواش "أبو شريف"، أحد أبطال معركة الكرامة قد نام هو الآخر نومته الأبدية في ثرى الأردن الغالي في مدينة السلط شقيقة نابلس منذ مئات السنين وستظلان كذلك.
      ولا بد لنا من كلمة إلى أولئك الإقليميين فنقول لهم: اتقوا الله في وطنكم، في مستقبل أبنائكم وأحفادكم من بعدكم.
      إن وحدة الدم التي سطرها الشهداء بأحرف من نور أقوى وأكبر منكم بكثير وإنها هي المنتصرة في نهاية المطاف، وحمى الله هذا الوطن من القلة القليلة التي كشفت عن نفسها بنفسها، ومع ذلك فإننا نطلب لها من الله الهداية والمغفرة وسلام على شهدائنا الأبرار الذين سبقونا إلى جنات الخلد.
      وسلام على شهداء معركة وادي التفاح بمدينة نابلس صالح عبدالله شويعر وسليمان عطية الشخانبة وصياح فياض الفقراء وراشد موسى نمر العظامات، فهنيئا لهم في جنان الخلد إنهم (أحياء عند ربهم يرزقون) و(جزاهم بما صبروا جنة وحريرا) صدق الله العظيم.    


صحيفة الرأي/الأردن  
   7/6/2001م

اقرأ ايضا
التعليقات أضف تعليق
يمكن كتابة التعليقات بدون التسجيل كعضو في الموقع.
ملاحظات
  • تعرض التعليقات على المشرفين قبل النشر.
  • يمكن التسجيل في الموقع للحفاظ على نشر التعليقات بإسمك.

صورة التأكيد

(*) حقول إجبارية.
التعليقاتالتعليقات
7 تعليق
ordoniyah
ordoniyah
(1) 2009/03/07 8:12 م

كانوا فعلاً رجال



الله يرحمهم



مشكور جداً
الحر
الحر
(2) 2009/03/08 10:57 ص

بسم الله تغمد الله شهدائنا برحمته عز وجل والله مواقف ترفع الراس وتعبر عن معنى الرجوله وحب الشهادة يا ريت تاخذ الامه عبر من كل بطولات السابقين رحم الله رسولنا الكريم معلمنا

بارك الله فيك ابو عابد
salehwladat
salehwladat
(3) 2009/03/08 3:18 م

يا عمي خوالي شجعان
عمار_قبيلات
عمار_قبيلات
(4) 2009/03/08 4:52 م

رحمة الله
أبو_عايد
أبو_عايد
(5) 2009/03/11 7:05 م

ستبقى بطولات وتضحيات خالدة



أشكركم لمروركم
_القبيلي
_القبيلي
(6) 2009/03/27 9:41 م

نعم رحمة الله على شهدائنا الأبرار، ومنهم الشهيد الملازم أول سليمان عطية الشخانية ، كان من أقدم ضباط بني حميدة ، وتزوج من أبنة الشيخ المرحوم كساب الشخانبة ، وكانت معلمة ومن أوائل المعلمات من بني حميدة، وقد انجبت منه أبنته الوحيدة، فرحمة الله عليه ومأواه الجنة إن شاء الله وهو حي يرزق هو وجميع الشهداء الذين قضوا في سبيل الله ." ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
_القبيلي
_القبيلي
(7) 2009/03/27 9:44 م


عودة الى الموضوع