مكاور.. هنا قُتل يوحنا المعمدان
بوح القرى .. كتابة وتصوير مفلح العدوان
كلما اتجهت إلى مأدبا، سمعت تراتيل تأتي من هناك..
يستقبلني قرع نواقيس كنائس المدينة، فأعرف أنني محاط بهالة من القداسة، وبزخم من التاريخ والذاكرة.
وفي كل مرة أجيء فيها إلى مأدبا، آتي وفي ذهني مخطط لما أريد معرفته فيها، وأكون قادما إلى هناك عن سبق إصرار مني على تتبع بوح مكان آخر إما داخل المدينة أو في إطار دائرة قداستها.
ها أنا الآن آتي لأتتبع مسيرة يوحنا المعمدان، عاقدا العزم على زيارة مقامه في مكاور، هناك في القلعة التي قتل فيها، وقد كنت زرتها عدة مرات سابقا، كما مررت على موقعه على ضفة نهر الأردن، في المغطس، حيث جاء إليه السيد المسيح عليه السلام، هناك ليعمده، كما كل المؤمنين الذين تعمدوا في ذات الموقع.
الطريق إلى هناك
أصل مأدبا..
ثم أتجاوزها باتجاه الجنوب، يا الله كم يحمل من أحزان، وجراح، وشهداء، وأنا فى ذاك الاتجاه، وفي البال تلك القصص، ومعها تتزاحم حكايات، وأحداث، وأنا الآن أتبع درب الشهيد الذي قطعوا رأسه ليقدمه هيرودس على طابق إلى سالومي..
أسير أنا أردد مقاطع من الكتاب المقدس والقرآن، كلها تتمحور حول دماء يوحنا المعمدان، وهو ذاته يحيى بن زكريا، شهيد مكاور، وقبل شهادته كانت له جولاته، ودعواته في برية الأردن، وعلى النهر المقدس.
أتبع الطريق بعد مأدبا إلى الجنوب، وبعد عشرة كيلومترات، وقبل أن أصل ذيبان، أدخل غربا من جانب قرية لب، وأمشي بهذا الاتجاه حوالي خمسة عشر كيلومترا، متجاوزا عدة قرى، هي قرى جبل بني حميدة، ومنها قرية العريض، مركز قضاء العريض، وبعدها هناك سهم يشير إلى قرية الدير، ولكني أتابع حتى أصل قرية مكاور، وأرى شارة بجوارها مقبرة، وسهم يشير إلى الغرب، مع كتابة «مقام النبي يحيى».
شموع الذاكرة
ها قد وصلت قرية مكاور..
وها أنا أرصد المشاهدات قبل أن أتسلق الطريق باتجاه الجبل والقلعة، عند ذاك المثلث، كان شارع يقسم المقبرة إلى أكثر من جزء، والقبور مرتفعة بطريقة لافتة عن الأرض هناك، وكأنها في حالة احتفاء بالموت، أو أن القبور تتشابه مع نباتات عباد الشمس، غير أن توق القبور هنا ارتفاع باتجاه قلعة مكاور الذي قتل فيها النبي، كما أن بجوار بعض القبور هناك مدرسة بنات مكاور، وهذه مفارقة أخرى، لتجاور معنى الحياة والموت في ذات المساحة، على مثلث يؤدي بالمار من هنا إلى الدرب المؤدي إلى قلعة مكاور.
أكمل مسيري، وأمر على البيوت القديمة التي تداخلت مع البناء الحديث، وأقف قليلا عن مشروع نساء بني حميدة، الذي يعنى بصناعة النسيج، والشموع، وكأنه يراد لكل من يمر من هنا أن يستريح على بساط التقوى، ويوقد شموعا لإحياء ذاكرة النبي الذي واطن هذا المكان.
قبل أن أترك مشروع نساء بني حميدة، سألت عن واحد من كبار السن في مكاور، بعد أن ارتحل عنها كثير من أهلها إلى مدن وقرى أخرى، فتم إعطائي اسم أبو خالد، وهو واحد من كبار القرية، وعمره 82 سنة، واسمه نويران ابنية خليفه القعايدة، وقد التقيته قبل أن أواصل مسيري الى قلعة مكاور، ثم بعد أن انهيت الحديث معه، عدت الى دربي باتجاه القلعة، ولكن قبل أن أصلها وقفت على قمة أقرب مرتفع مقابل للقلعة، وجلست قليلا أستعيد بعض ما قاله لي «أبو خالد»، وكثيرا مما قرأته حول مكاور.
مغــــــــــــاور
يقول الحاج نويران القعايدة أنهم «من أول ما وعيوا في القرية، يعرفوا انه اسم قريتهم مكاور، وما عرفوا إلها اسم غير هالإسم». كما يشير الى مكاور ابنه «محمد نويران ابنيه القعايدة»، في رسالة ماجستير كتبها في جامعة مؤتة، وعنوانها «مأدبا وجوارها 1311-1366هـ/1893-1946م»، حيث يذكر في أطروحته في معرض تعريفه بقرى مأدبا بأن «مكاور: تقع الى الجنوب الغربي من مأدبا، وإلى الشمال الغربي من قرية ذيبان، وتعد من أهم قرى بني حميدة لأهميتها التاريخية، وقد مر بها الرحالة تراسترام عام 1872م، ووصفها وصفا دقيقا، ويقطنها عشيرة القعايدة من بني حميدة».
وحول اسم القرية مكاور، يشير المطران سليم الصائغ في كتابه «الآثار المسيحية في الأردن» الى أن (القرية التي بناها هيرودس حول القلعة ظلت مأهولة، وعرفت في العهد البيزنطي باسم ماكابيروس، ومنه لفظة مكاور العربية).، بينما يشير اللفتننت كولونيل فريدريك ج بيك في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» الى مكاور، بأنها ماخيروس، ويكررها على هذا السياق في أكثر من موقع في الكتاب. ولكن هناك رأي يقول بأن هناك اسم قديم لها، منحوت من كثرة المغائر والكهوف في الجبل هناك، ولذا فقد كانت تسمى مغاور، ونحت الاسم بعد ذلك ليكون مكاور، وهذا يعتبر اجتهاد شعبي على سبب التسمية، وإضافة على التحولات التي طرأت على الاسم بمفارقة لها علاقة بربط الاسم بالطبيعة الجغرافية للمكان.
أما حدود القرية فهي بحسب ما تتبعها الحاج نويران القعايده، بأنه يحد مكاور من الشرق العريض، ومن الغرب البحر الميت، ومن الشمال زرقا ماعين، ومن الجنوب قرية الدير.
ماكرونتا
وبالعودة الى كتب المؤرخين والجغرافيين والرحالة نلاحظ أنه كتب عنها مجموعة منهم، ونشير هنا الى ما كتبه بعضهم، مثل يورشارد في «وصف الأرض المقدسة، حيث قال حول مكاور «جبل يقع الى الجنوب الغربي من مادبا، بعد اثنين وثلاثين كيلومترا منها، ويبلغ ارتفاعه 730 مترا عن سطح البحر، وألفا ومائة وخمسة وعشرون عن سطح البحر الميت، وفي سنة 750 ق.م أوعزت روما لقائدها بمومبي بتدمير قلعة مكاور، وتم ذلك على يد جابينيوس، أحد قادة بومبي، وبعد ذلك قام حاكم المنطقة ببناء قلعة جديدة، وقد تم العثور على القلعة على قمة الجبل، كما تم العثور على أسوار القلعة، وأبراجها، وآبارها، والقصر الملكي، والحمامات، مع الآنية لتبريد المياه، وعلى بقايا المدينة التي شيدها هيرودس، وقد ذكرها يورشارد باسم ماكرونتا، واسمها الحالي مكاور».
عبادة الشمس
أما في كتاب «رحلات في شرق الأردن عام 1872م، الذي كتبه هـ. ب. تريسترام، فقد كتب عن مكاور ما يلي: «وسرنا بمحاذاة هذا الطريق الروماني، فمررنا بكومة أطلال من الحجارة، يبدو أنها بقايا مدينة قديمة مبنية على الحد الصخري، وكأنها الكتف، حيث وصلنا بعدها بقليل الى مكاور المدينة، وليس الى القلعة. تغطي مكاور مساحات واسعة بما يزيد عن أية مدينة زرناها، أو شاهدناها الى الآن، فإننا لم نعثر على أي أثر يستحق التصوير.
تحتل آثار مكاور عددا من التلال المتماوجة، وتغطي في مجموعة أكثر من جبل مربّع. وحيث أن الدفاع غير ممكن عن هذا المكان، فلا بد أنهم اعتمدوا في حماية أنفسهم على وجود القلعة المجاورة. ويحيط بالمدينة سفوح ووديان تنحدر أو ترتفع بشكل رتيب، تعاود الارتفاع بوجود التلال المجاورة.
وتستغل هذه المنحدرات في زراعة الحبوب، من قبل بني حميدة، كما أنهم يربون بجوارها قطعانا قليلة من الأغنام القرنية (ذات القرون)، بما يتفق ويتناسب مع كميات المراعي والأعلاف في هذا المكان.
وقد وجدنا معبدا يفتح باتجاه مطلع الشمس بنفس المخطط والحجم، للمعابد التي وصفناها في خان الزبيب وأم الوليد. ومن هنا، فمن الجليّ، فإنه وإلى الفترة التي لا تبعد عن التدمير النهائي لهذه المدينة، فإنها كانت تعج بالسوريين والإغريق الذين كانوا يمارسوا طقوس عبادة الشمس، رغم التعصب الأعمى للسكان اليهود في ذلك الحين. وتفقدنا آبار مكاور، حيث وجدنا في أحدها ماء، بينما كان أكثر من مئة منها جافة وبعضها مملوء بالحجارة».
وفي كتاب «بلادنا فلسطين» يكتب مصطفى الدباغ حول مكاور قائلا: «وهي معروفة قديما باسم ماخيروس، قرية صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من حمامات ماعين، حيث يقوم قصر هيرودس، ويقال إنه في هذا القصر، رقصت سالومي وقطع رأس يوحنا المعمدان -النبي يحيى- وقد تهدم القصر، وأصبح أشبه بالقلعة –وفي الأيام الصافية يمكن للمرء مشاهدة أبراج القدس».
سيرة قرية
تقع مكاور الى الجنوب الغربي من مادبا، على مسافة حوالي 25 كم، وإلى الشمال الغربي من قرية ذيبان، وتتبع إداريا إلى بلدية جبل بني حميدة، وهي من ضمن قضاء العريض، التابع الى لواء ذيبان، في محافظة مأدبا.
الديموغرافيا
يبلغ عدد سكان مكاور حوالي 394 نسمة(224 ذكوراً و 170 إناثاً)، يشكلون66 أسرة تقيم في 91 مسكنا، ويعملون في الزراعة، والوظائف الحكومية.
التربية والتعليم
توجد في القرية مدرستان، هما مدرسة مكاور الأساسية للذكور، ومدرسة مكاور الأساسية للإناث، ويتم التدريس في المدرستين حتى الصف الثامن، وبعد ذلك ينتقل طلاب المدرستين إلى مدارس القرى المجاورة، ومنها العريض.
المجتمع المدني:
يوجد في القرية مقر مشروع نساء بني حميدة، التابع لمؤسسة نهر الأردن، وفيه يتم تصنيع البسط والشموع، من خلال نساء المنطقة.
* جميع الخدمات في القرية، تأخذها من قرية العريض المجاورة لها، والتي تعتبر مركزا لقضاء العريض.
* يوجد في القرية مسجد واحد، ومقبرة.
|
|